أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
263
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2202 - ورحت حزينا ذاهل العقل بعدهم * كأنّي شربت الإثم ، أو مسّني خبل « 1 » قال : وقد تسمى الخمر إثما ، وأنشد : 2203 - شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول « 2 » ويروى عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا : « الْإِثْمَ : الخمر » . قال الحسن : وتصديق ذلك قوله : قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ « 3 » . والذي قاله الحذّاق أن الإثم ليس من أسماء الخمرة قال ابن الأنباري : « الْإِثْمَ لا يكون اسما للخمر ، لأن العرب لم تسمّ الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام » . وقول ابن عباس والحسن لا ينافي ذلك ، لأن الخمر سبب الإثم ، بل هي معظمه ، فإنها مؤججة للفتن ، وكيف يكون ذلك ؟ وكانت الخمر حين نزول هذه السورة حلالا ، لأن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر إنما كان في المدينة بعد « أحد » ، وقد شربها جماعة من الصحابة يوم أحد فماتوا شهداء وهي في أجوافهم . وأما ما أنشده الأصمعي من قوله : شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * . . . « 4 » فقد نصوا أنه مصنوع ، وأما غيره فاللّه أعلم . و « بِغَيْرِ الْحَقِّ » حال ، وهي مؤكدة ، لأن البغي لا يكون إلا بغير الحق ، « وَأَنْ تُشْرِكُوا » منصوب المحل نسقا على مفعول « حَرَّمَ » ، أي : وحرّم إشراككم عليكم . ومفعول الإشراك ، « ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً » وقد تقدم بيانه في الأنعام « 5 » . « وَأَنْ تَقُولُوا » أيضا نسق على ما قبله ، أي : وحرّم قولكم عليه من غير علم . وقال الزمخشري : « ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً » تهكم بهم ، لأنه لا يجوز أن ينزّل برهانا أن يشرك به غيره » . قوله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ . خبر مقدم ، ولا حاجة إلى حذف مضاف ، كما زعم بعضهم أن التقدير : ولكلّ أحد من أمّة أجل ، أي : عمر . « كأنه يوهم أنّ كلّ أحد له عمر مستقل ، وأن هذا مراد الآية الكريمة ، ومراد الآية أعم من ذلك . وقوله : « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ » قال بعضهم : « كل موضع في القرآن من شبه هذا التركيب ، فإنّ الفاء داخلة على « إذا » ، إلّا في يونس ، أما يونس فيأتي حكمها ، وأما سائر المواضع فقال : « لأنها عطفت جملة على أخرى ، بينهما اتصال وتعقيب ، فكان الموضع موضع الفاء » . وقرأ الحسن وابن سيرين « آجالهم » جمعا . قوله : « لا يَسْتَأْخِرُونَ » جواب « إذا » ، والمضارع المنفي ب « لا » إذا وقع جوابا ل « إذا » في الظاهر جاز أن يتلقى بالفاء وألا يتلقى بها . قال الشيخ « 6 » : « وينبغي أن يعتقد أن بين بالفاء والفعل بعدها اسما مبتدأ ، فتصير الجملة اسمية ، ومتى كانت كذلك وجب أن تتلقى ، أو « إذا » الفجائية . و « ساعَةً » نصب على الظرف ، وهي مثل في قلة الزمان . قوله : وَلا يَسْتَقْدِمُونَ هذا مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم ، بل لا بدّ من استيفائهم إياه ، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان . وقال الحوفي وغيره : « إنه معطوف على « لا يَسْتَأْخِرُونَ » . « وهذا لا يجوز ، لأن « إذا » يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلة ، لا الماضية ، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه ، فكيف يترتب
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 292 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 219 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) آية ( 81 ) . ( 6 ) انظر البحر ( 4 / 293 ) .